الشيخ حسن المصطفوي

312

التحقيق في كلمات القرآن الكريم

الجرّ ، ومعناها الاستثناء ، تقول من ذلك : ذهب القوم حاشا زيد . هذا مذهب سيبويه . وذهب أبو العبّاس إلى أنّها فعل تنصب ما بعدها ، وذلك قولك : ذهب القوم حاشا زيدا ، واستدلّ على ذلك بقولهم : حاشى يحاشي . ولا دليل في هذا لأنّه يجوز أن يكون هذا الفعل مشتقّا من الحرف ، كما اشتقّ نحو هلَّلت من لا إله إلَّا اللَّه ، وسبّحت من سبحان اللَّه . والدليل على صحّة قول سيبويه امتناعهم من أن يقولوا : ذهب القوم ما حاشى زيدا . مغني اللَّبيب - حاشا - على ثلاثة أوجه : أحدها : أن تكون فعلا متعدّيا متصرّفا ، تقول حاشيته بمعنى استثنيته . والثاني : أن تكون تنزيهيّة ، نحو حاش للَّه ، وهي عند المبرّد وابن جنّيّ والكوفيّين فعل ، قالوا لتصرّفهم فيها بالحذف ، ولإدخالهم إيّاها على الحروف ، وهذان الدليلان ينفيان الحرفيّة ولا يثبتان الفعليّة . والصحيح أنّها اسم مرادف للتنزيه بدليل قراءة بعضهم حاشا للَّه بالتنوين . الثالث : أن تكون للاستثناء فذهب سيبويه وأكثر البصريّين إلى أنّها حرف دائما بمنزلة إلَّا ، لكنّها تجرّ المستثنى . شرح الكافية للرضي - مبحث المستثنى - التزم سيبويه حرفيّة حاشا لقومهم حاشاي من دون نون الوقاية ، وامتناع وقوعه صلة لما المصدريّة مطَّردا ، وعند المبرّد : يكون تارة فعلا وتارة حرف جرّ ، وإذا وليته اللَّام نحو حاشا لزيد تعيّن عنده فعليّته . والأولى أنّه مع الَّلام اسم لمجيئه معها منوّنا كقراءة أبي سمّال - حاشى للَّه ، فنقول : إنّه مصدر بمعنى تنزيها للَّه ، كما قالوا في سبحان اللَّه ، فيجوز أن يرتكب على هذا كون حاشا في جميع المواضع مصدرا بمعنى تبرئة وتنزيها ، وأمّا حذف التنوين في حاشا لك : فلاستنكارهم للتنوين فيما غلب عليه تجريده منها لأجل الإضافة . وإذا استعمل حاشا في الاستثناء وفي غيره : فمعناه تنزيه الاسم الَّذي بعده من سوء ذكر فيه أو في غيره ، فلا يستثنى به إلَّا في هذا المعنى . وربّما أرادوا تنزيه شخص من سوء فيبتدئون بتنزيه اللَّه من السوء ثمّ يبرّؤن من أرادوا تبرئته على معنى أنّ اللَّه منزّه على أن لا يطهّر من ما يصمه ذلك الشخص ، فيكون آكد وأبلغ - قلن حاش للَّه ما علمنا